Accéder au contenu principal

بوغـــزول مدينـــــــة لم تخـــــــرج مــــن تحـــــت الأرض | 50سنـــــــــــة من التفكير والتخطيط والتحضير


لاتزال الجزائر تحتفل بخمسينية الاستقلال الوطني، وهو عمر فكرة إنشاء المدينة الجديدة بوغزول الواقعة على بعد نحو 170 كيلومتر إلى جنوب العاصمة. فكرة طرحت على مكاتب كافة رؤساء الجمهورية الجزائرية، ومع ذلك فإنه وإلى غاية اليوم لاتزال أعناق سكان بوغزول والهضاب العليا تترقب خروج العمود الأول من عمران هذه المدينة التي سوّقت في شكل خطاب استهلك في شكل أسطورة، مفادها أن بوغزول ستصبح عاصمة الجزائر. ما وقفنا عليه، هو أن المدينة المنتظرة لم تخرج من الأرض، لأن أشغال إنجاز مقر مؤسسة تسيير المدينة من قبل شركة “دايوو” الكورية لم تتجاوز عتبة الأساسات الأولى، فيما تم إنهاء جزء هام من الطرقات الثانوية وشبكات الصرف الصحي والأمطار، وأخرى للكهرباء والهاتف، وتشجير مساحات أخرى من المحيط الخارجي للمنطقة. وفيما تثير أطراف لها صلة غير مباشرة بالمشروع ملابسات متعلقة بأسباب تأخر المشروع، يقول المشرفون على المشروع  إن هناك عراقيل تتمثل في عدم تجاوب البلديات المجاورة معهم لأجل المضي في الإنجاز.

الإسهاب في الحديث عن إنجاز المدينة الجديدة بوغزول بولاية المدية (170 كيلومتر) جنوب الجزائر العاصمة، وما أحيط بها من القيل والقال وإنتاج  لـ“الكلامولوجيا”، جعل الأمر يصبح أشبه ما يكون بالحديث عن “أساطير”، واختلطت الكوميديا بالتراجيديا، ولو أن المسافة تبقى بعيدة بين الواقع والخيال، بين ما أنتج من كلام وحجم ما أنجز من عمر المدينة الجديدة بوغزول. فالمسؤولون المشرفون على المؤسسة العمومية لتسيير المدينة الجديدة بوغزول يقولون إن فكرة إنجاز المدينة الجديدة تعود إلى العهد الاستعماري، بدليل أن كافة رؤساء الجمهورية الجزائرية وجدوا ملف إنجاز المدينة الجديدة بوغزول فوق طاولاتهم، بينهم الرئيس الأسبق هواري بومدين.

بوغزول.. من شعارات الحزب الواحد إلى الأكذوبة

صنّاع القرار في الجزائر قرروا الاحتفال بمرور خمسين سنة على الاستقلال، واجتهدوا في إبراز ما أنجز خلال هذه الحقبة، لكن من غير تقديم إجابة عن السؤال الذي كان يطرحه الجميع: “لماذا تأخر إنجاز مشروع المدينة الجديدة بوغزول؟”، المشروع الذي شغل بال الجزائريين حتى ممن آمنوا بالأكذوبة القائلة إن “بوغزول ستصبح عاصمة للجمهورية الجزائرية”. فهل تغلبت إرادة السياسيين وألاعيب المسؤولين على أحلام وآمال الراغبين في جعل بوغزول مدينة نموذجية تكسر اللامركزية؟

 مفخرة الخطابات الرسمية.. مسخرة أحاديث الناس

عندما زرنا منطقة بوغزول قطعنا الطريق الوطني رقم 01 الذي بات يشكل من يوم لآخر هاجسا لمرتاديه بفعل الازدحام وحوادث المرور التي تسجل يوميا، وجدنا “قضية” المدينة الجديدة حاضرة بقوة في أحاديث وأسئلة الناس.. في بلدية بوغزول نفسها، في عين وسارة، في الجلفة، في قصر البخاري وفي المدية، أسئلة تبحث عن أجوبة: “لماذا لم يظهر ولو عمود واحد في المساحة المخصصة لإنجاز المدينة الجديدة؟ ولو أن من يقطع الطريق الوطني الرابط بين المدية والجلفة يلاحظ على مستوى المقاطعة التابعة لبوغزول عشرات الشاحنات والحفارات ممن يتولى أصحابها أشغال إنجاز البحيرة المستقبلية للمدينة الجديدة، هذه الأخيرة التي وضع لها تصميم على لوحة ضخمة على مستوى الطريق الوطني تبيّن الشكل العام الذي ستكون عليه مستقبلا بخصائصها العالمية، وفي الجهة المقابلة بدت أشغال التهيئة متواصلة بالمساحة المخصصة لبناء المدينة.  المعلومات التي قدمها لنا المدير التقني لمشروع المدينة الجديدة، السيد بن تركية رفقة رئيس المشروع السيد سعيد صياد بمقر المؤسسة العمومية لتسيير المدينة الجديدة، تفيد بأن المساحة المخصصة لإنجاز المدينة الجديدة تتربع على 6 آلاف هكتار، بينها 4 آلاف هكتار قابلة للتعمير، بالإضافة إلى حزام أخضر مساحته 12 ألف هكتار، يضم منطقة فلاحية تتربع على 10 آلاف هكتار.

المدينة ستستقطب 400 ألف ساكن

يرتقب أن تستقطب المدينة الجديدة 350 إلى 400 ألف ساكن، حسب المدير التقني، وهي مدينة تندرج ضمن المخطط الوطني لتهيئة الإقليم الذي برمج 14 مدينة جديدة، بينها 5 مدن انطلقت بها الأشغال، هي سيدي عبد الله، بوينان، بوغزول، المنيعة، حاسي مسعود. وتقرر إنشاء المدينة الجديدة استنادا لأقوال المسؤولين المذكورين، بمرسوم رئاسي تحت رقم 04/ 97 /2004، وأعقب هذا المرسوم مرسوم آخر تحت رقم 06 /304 المؤرخ في 10 سبتمبر 2006 المحدد لمهام وتنظيم وتسيير المدينة الجديدة، وهي “المؤسسة العمومية لتسيير مدينة بوغزول”. وفي معرض إجابته عن سؤالنا المتعلق بالتاريخ الذي انطلقت فيه الدراسة النهائية للمشروع، قال السيد بن تركية رفقة سعيد صياد رئيس المشروع، إن الدراسة النهائية للمشروع انطلقت سنة 2008، قام بها مكتب دراسات من كوريا الجنوبية اسمه “سبايس غروب”، ومع بداية 2009 أسندت أشغال تهيئة أرضية المدينة الجديدة لمجمع شركة “دايوو”، وانطلق المشروع بصفة فعلية في أواخر سنة 2009  وبداية 2010. وشملت أشغال التهيئة في البداية 2150 هكتار، مست، كما أسماها، الشبكات القاعدية المتمثلة في الطرقات على مسافة 75 كيلومترا، كما شملت عملية التهيئة شبكات الصرف الصحي، شبكات المياه الصالحة للشرب، الكهرباء، الغاز، الهاتف والإعلام الآلي. عندما دخلنا المنطقة المخصصة لبناء المدينة الجديدة، اقتربنا من إحدى القاعات التي قطع محيطها مرحلة من التشجير، ولم نكن ندري أنها قاعة عرض مخصصة للوزراء والمسؤولين، عندما يزورون المنطقة تقدم لهم شروح وعروض عن المدينة الجديدة، إذ لم يسمح لنا الحارس بالدخول إليها ولا بأخذ صور عنها، على اعتبار أننا لا نحوز أي رخصة، مشيرا علينا باستشارة المدير العام لمؤسسة تسيير المدينة الجديدة. عندما قابلنا المدير التقني رفقة رئيس المشروع في مقر مؤسسة تسيير المدينة الجديدة الذي تم إيجاره عن بلدية بوغزول، طلب منا الانتظار لفترة من الزمن، بعد أن قدمنا له موضوع مهمتنا، ريثما يستشير المدير العام للمؤسسة في الموضوع، ليطلعنا في الأخير أن المدير أعطى موافقته بمنحنا المعلومات اللازمة عن المشروع وكذا السماح لنا بأخذ صور عن المنطقة.

استيراد 4 أنواع من الأشجار بالعملة الصعبة من إيطاليا

ما وقفنا عليه بعد دخولنا منطقة إنجاز المدينة الجديدة، هو إنجاز جزء هام من طرقات المدينة الجديدة، تم تزفيتها بطبقة أولى ولاتزال بحاجة إلى الروتوشات الأخيرة، ولا يصل طولها الـ75 كيلومترا على خلاف ما يقوله المدير التقني الذي كان رفقتنا، وغرست على جانبي الطرقات هذه أنواع مختلفة من الأشجار، تعد امتدادا للمساحات الخضراء الحضرية داخل المدينة الجديدة، وهي أشجار كبيرة تم استيرادها من إيطاليا بالعملة الصعبة، وعددها 4000 شجرة من نوع (زيتون بوهام)، أما النوع الثاني فهو (لوفران)، فيما يتمثل النوع الثالث في (لو ميليا)، أما النوع الرابع فهو (لو سيبري)، وهذا النوع الأخير وجدناه يشبه الشموع ويضفي صبغة جمالية على المحيط. وما لاحظناه في هذه الطرقات المنجزة أن عرضها يقدر بـ15 مترا، ومن الجانبين نجد أمتارا مخصصة للرصيف ومترين لأصحاب الدراجات، أما على مستوى محاور أخرى من تلك الطرقات فخصصت مساحة لوسيلة النقل الترامواي. وقد أشار المدير التقني إلى أن أشغال إنجاز طرقات المدينة هي على وشك النهاية ولم تبق إلا عملية التزفيت النهائية. وقد وقفت “الخبر” على متغير جديد في عملية إنجاز الشبكات المذكورة سابقا وهي  la galerie technique، وتعد الأولى من نوعها في الجزائر، فمنها تعبر كل الشبكات (قنوات الصرف، المياه، الغاز، الكهرباء، الهاتف والإعلام الآلي)، فهي محطة تتواجد تحت الأرض وتمتد على 22 كيلومترا، مزودة بكاميرات مراقبة، ففي حال حدوث خلل في شبكة من الشبكات المذكورة، فالخلل يمكن التعرف عليه داخل هذا النوع من المحطات، بالعودة إلى الصور التي التقطتها الكاميرات، إلا أن هذه المحطة لم يتم تجهيزها بعد بالوسائل. كما وقفنا ونحن نتجول داخل المنطقة المخصصة لاحتضان المدينة الجديدة، على محطات خاصة بقنوات صرف المياه التي أنهيت بها الأشغال التي قال عنها المدير التقني إن طولها يصل إلى 40 كيلومترا، كما وقفنا على إنجاز شبكة أخرى لصرف مياه الأمطار قصد حماية المدينة من الفيضانات، وهي قنوات عملاقة تحت الأرض ويصل طولها إلى 76 كيلومترا، فيما أنهيت أشغال إنجاز خزان المياه الصالحة للشرب. وإذا كانت شبكة الهاتف والأنترنت والكهرباء لاتزال في طور الإنجاز، فإن شبكة الغاز لم تنطلق بعد.

ملابسات تتعلق بتأخر إنجاز المشروع..

ومع ذلك، فإن ما وقفنا عليه وما لاحظناه بعين المكان يطرح تساؤلات بشأن مسألة تأخر انطلاق إنجاز مشروع المدينة الجديدة، فلماذا لم يتم استصدار مرسوم إنشاء المدينة الجديدة بوغزول إلا في سنة 2004؟ هل الضائقة المالية التي كانت تمر بها الجزائر هي التي حالت دون استصدار مرسوم إنشاء المدينة المذكورة قبل هذا التاريخ؟ وهل يعقل في ظرف 5 سنوات من انطلاق المشروع فعليا، لا يمكن إنجاز حتى مقر المؤسسة العمومية لتسيير المدينة الجديدة؟ فهذا الأخير وعلى نحو ما وقفنا عليه لم تمر على عملية انطلاق أشغال إنجازه مدة الشهر من قبل شركة “دايوو” الكورية التي استقدمت عمالا من البنغلاديش والفيليبين، ومدغشقر، وباكستان وبعض العمال العرب، ممن يعملون في ورشة إنجاز الأساسات الأولى لهذا المقر. تقول بعض الإطارات ممن سبق لها أن اشتغلت بمؤسسة تسيير المدينة الجديدة، إن من بين أسباب تأخر إنجاز مشروع المدينة الجديدة وجود تلاعبات وملابسات تشوب الاتفاقية المبرمة مع الشركة الكورية (دايوو) للبناء، المتعلقة بالمشاريع التي منحت لها، خاصة أن المدير السابق في كل مرة يلجأ إلى تمديد مدة إنجاز المشروع، إلى جانب أسباب أخرى لها علاقة بالمكان المخصص لاحتضان المشروع، إذ أن السكان الذين يقيمون في بيوت هشة داخل محيط المدينة لم يتم ترحيلهم بعد، بل ورفضوا الترحيل، على اعتبار أن وضعياتهم القانونية لم تتم تسويتها بعد.  وتثير المصادر تلك عراقيل أخرى، بينها أن البلديات المحاذية للمدينة الجديدة كبن نهار، عين وسارة والبيرين، رفضت التجاوب مع القائمين على تسيير مؤسسة المدينة الجديدة، لاسيما في جانب التشجير، لأن العلاقة متوترة بين الطرفين، وتتساءل عن أسباب تأخر انطلاق إنجاز مشتلة المدينة الجديدة التي رصدت لها 10 ملايير سنتيم. وتقول المصادر ذاتها: “هل تشفع سياسة وزير السكن والعمران، عبد المجيد تبون، الجديدة في إعادة وضع المشروع على السكة على نحو جدي، ويعيد الاعتبار لإطارات طردت من العمل في مشروع المدينة الجديدة، بينها إطار في الفلاحة، ويضع حدا لنفوذ جماعة المدير السابق، خاصة أن وزير السكن أنشأ مديرية للمدينة الجديدة؟”.

لماذا لم يزر الوزير الأول بوغزول؟

قال نائب بالبرلمان عن ولاية المدية في معرض إجابته عن سؤالنا المتعلق بالأسباب التي ساهمت في تأخر انطلاق مشروع المدينة الجديدة: “طلبت عند التصويت على قانون المالية لسنة 2014 الوقوف دقيقة صمت على مشروع مدينة بوغزول”، مضيفا “إن هيئة البيئة العالمية منحت 8.2 مليون دولار لواحدة من الشركات التابعة لمصالح ولاية الجلفة سنة 2008 بغرض تشجير المنطقة، إلا أنه وإلى يومنا هذا لم يتم القيام بالعملية”، مشيرا إلى أن الأشجار التي غرست في المحيط الخارجي للمدينة هي لخواص منحت لهم في إطار الامتياز الفلاحي. ويطرح النائب تساؤلا مؤداه: “لماذا لم يقم الوزير الأول عبد المالك سلال بزيارة موقع المدينة الجديدة ببوغزول خلال الزيارة التي قادته إلى ولاية المدية؟ ولماذا لم يعط أي تعليمة للإسراع في إنجاز المشروع؟”.

100 ساكن يرفضون الرحيل من المنطقة

 المدير التقني للمشروع، السيد بن تركية، يقول: “إن أشغال إنجاز المشروع عرفت تأخرا نوعا ما، والسبب يتعلق بوجود حواجز في موقع إنجاز المشروع، بينها عملية تحويل خط النقل الخاص بالتيار الكهربائي، إذ رغم إنهاء عملية تحويله إلا أنها عرفت تأخرا، والأمر نفسه بالنسبة لشبكة نقل الغاز وشبكة نقل المياه الصالحة للشرب”.  أما التأخر الآخر، يضيف، “يتمثل في تزامن انطلاق الأشغال مع الدراسة، ومازلنا نسجل عراقيل أخرى في الوقت الحالي، تتعلق بوجود سكان فوق محيط إنجاز المدينة الجديدة، فرغم كون الأرض ملكا للدولة، إلا أنه لم يتم ترحيلهم بعد، ماعدا 5 عائلات”. وتابع يقول “نحن قمنا ببناء سكنات لأجل ترحيلهم ولكنهم رفضوا ويطالبون بالتعويض وعددهم يقارب الـ100، ذلك رغم أنهم يقيمون في سكنات هشة”. وأثناء تجوالنا في الموقع الذي تجري به أشغال التهيئة، لاحظنا توقف أشغال إنجاز طريق بالقرب من أحد السكنات الهشة المذكورة، ما يطرح بالتالي تساؤلا عن أسباب عدم تنسيق مصالح بلدية بوغزول مع مؤسسة إنجاز المدينة الجديدة، خاصة أن أحد العمال يقول إن الأشغال متوقفة بهذه النقطة، لأن رئيس البلدية الذي له مقهى بقاعدة الحياة للشركة الكورية، يشجع هؤلاء السكان على عدم الرحيل من موقع المدينة الجديدة.

مشاريع امتصت البطالة

يستغرب الناس هناك أمر عدم بروز أي عمود على طريق إعمار المدينة الجديدة، رغم أن الحديث عن إنجاز المدينة ظل يردده السكان منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي. وإذا كان بعض الشباب ببوغزول ممن تحدثنا إليه يقرّ بعدم وجود بطالة من الدرجة التي هي عليها في بعض الولايات، على اعتبار أن مجمع شركة “دايوو” امتص بطالي المنطقة، بمعية شركات جزائرية محلية، وأخرى تتولى عملية تشجير المنطقة، إلا أن البعض ينظر بعين السخرية للأجور التي تقدمها شركة الأمن والحراسة ويشرف عليها أحد الجزائريين، والمقدرة بـ18 ألف دينار شهريا، تقدم لنحو 1000 عون أمن ووقاية يتولون حراسة وتأمين مجمع الشركة الكورية “دايوو”.

مؤسسة وطنية تفوز بصفقة إنجاز 900 مسكن

وفيما انطلقت أشغال إنجاز مقر المؤسسة العمومية لتسيير المدينة الجديدة من قبل شركة “دايوو”، ترافقها 4 شركات محلية جزائرية تتولى أشغال تهيئة الطرق الثانوية، فقد أطلق القائمون على تسيير المدينة الجديدة مناقصة وطنية ودولية لإنجاز 900 مسكن مرفوقة بمرافق جوارية (ثانوية، عيادة متعددة الاختصاصات، متوسطة، مسبح مغطى)، وذلك من أصل 80 ألف مسكن مبرمج إنجازه. وحاز على المشروع، استنادا لأقوال المدير التقني، مؤسسة وطنية بالشراكة مع مكتب دراسات جزائري برتغالي، مشيرا إلى أن المؤسسة الجزائرية الفائزة بالمشروع ملزمة بتطبيق دفتر الشروط، خاصة أن السكنات المبرمجة للإنجاز تراعي خصوصية المنطقة والظروف المناخية، فهي سكنات ذات خصوصية بيئية عالية، يراعى فيها اقتصاد الطاقة من جانب التسخين والتبريد، بما يعني أن مواد البناء سيتم اختيارها على نحو يستجيب لهذه الخصوصية. فالمدينة الجديدة، يضيف، “ستسيّر بالطاقة الشمسية، إذ ستستوي المدينة على منطقة صناعية تضم تكنولوجيا عالية، بينها الطاقات المتجددة، تكنولوجيا الإعلام والاتصال، مدينة تستجيب للتنمية المستدامة”.

من هم المرشحون للإقامة في المدينة الجديدة؟

 لكن من هم السكان المرشحون للإقامة في المدينة الجديدة بوغزول مستقبلا؟ يجيب المدير التقني رفقة رئيس المشروع بأن الهدف من إنشاء المدينة الجديدة ليس بغرض استقطاب سكان بوغزول والمناطق المجاورة، بل هي مدينة تستجيب للتوازن الجهوي، أنشئت لتشجيع تنقل سكان الشمال إلى الجنوب، وهي مهداة للطاقات الجديدة والمتجددة وهو شعارها. واستنادا للمعلومات المقدمة، فإن بوغزول المدينة الجديدة سينشأ في قلبها مركز حضري على درجة عالية من التعقيد، مخصص للأعمال، تبنى فيه عمارات من شبه ناطحات سحاب تمتد على علو يصل إلى 32 طابقا، تتجمع فيها كبريات المؤسسات (البنوك، شركات التأمين، شركات اقتصادية عمومية). وما فهمناه، أن أكبر المؤسسات المالية العمومية والاقتصادية سيتم ترحيلها من العاصمة إلى بوغزول. وبوسع الساكن بالمدينة الجديدة أن يقطع المسافة الفاصلة بين بوغزول والعاصمة في ظرف قياسي قدره ساعة و20 دقيقة عبر القطار المتوسط السرعة (160 كيلومتر في الساعة) الذي انطلقت أشغال إنجاز سكته سنة 2012، كما انطلقت الأشغال الخاصة بالسكة الحديدية شرق ـ غرب، من بوغزول سنة 2011، ذلك في وقت تجري أشغال إنجاز الطريق السيار جنوب - شمال من البليدة إلى الأغواط، والأمر نفسه بالنسبة لإنجاز الطريق الاجتنابي (رقم 03) للطريق السيار شرق - غرب.

البحيرة.. حلم جميل أم كابوس مفزع؟

 تفيد المعلومات التي قدمت لنا بمؤسسة تسيير المدينة الجديدة، بأن مشروع تشجير المنطقة قد انطلق وهو عبارة عن حزام أخضر، تم الانطلاق في غرس 1260 هكتار، بين أشجار زيتون وأخرى غابية، سلمت أغلبها للسكان الماكثين على أطراف المدينة، وبوسع الزائر لمنطقة بوغزول أن يلحظ مساحات لأشجار الزيتون، خاصة عندما يسلك الطريق الوطني رقم 1، كما تم غرس 600 هكتار من الأشجار من قبل مصلحة الغابات لولايتي المدية والجلفة وأغلبها أشجار زيتون، بينما لاتزال نحو 2000 هكتار في طور التشجير من طرف مصالح الفلاحة لولاية المدية.  وقبالة الموقع المخصص لإنجاز المدينة الجديدة، تبدو للزائر ورشة مفتوحة وحركة غير منقطعة للشاحنات والرافعات والحفارات، وهو المكان المخصص لإنجاز بحيرة المدينة، إذ أسندت أشغال إنجازها لمجمع برتغالي جزائري zaGop+G-tp. فهي بحيرة تتربع على 6000 هكتار، قال عنها المدير التقني إن الأشغال انطلقت بها بـ50 بالمائة، وهي بتصميمها الحالي ستحتوي على 20 مليون متر مكعب. ويرتقب أن يتم التقليص من حجمها الأولي لتجنب عملية التبخر الزائدة عن حدها لكون المنطقة معروفة بالحرارة المرتفعة صيفا، على أن يتم تحويل ضفاف البحيرة، استنادا للمعلومات المقدمة، إلى منتزه سياحي يأخذ شكل شواطئ بهدف الاستجمام والصيد، مع إنشاء جزيرة سياحية تتربع على 68 هكتارا. وينتظر أن تنطلق أشغال إنجاز الشطر الثاني من البحيرة بعد إنجاز الشطر الأول، لأجل الحفاظ على المياه الموجودة بمكوناتها الحيوانية والنباتية.

لماذا توقفنا عن إنتاج المدينة؟

 لكن هل ستكون بوغزول مستقبلا المدينة التي ستلفت نظر الجزائريين من حيث نمط بنائها وانسجامها وديناميكيتها الاجتماعية؟ هل تمنح للجزائريين ممن سيقيمون بها مستقبلا الإحساس بأنهم يعيشون في المدينة، أم ستكون بوغزول مجموعة متناسقة من البناءات وفقط، خاصة أن الجزائريين قد توقفوا منذ مدة عن إنتاج وصناعة ”المدينة” بتفاصيلها المغرية والجذابة. فالمدينة، حسب العارفين بشؤون إنجاز المدن، هي التهيئة المقبولة والمدروسة للفضاء العمومي، بل ويقولون أيضا إن النجاح في إقامة مدينة لها روح في بوغزول يمرّ أيضا عبر زرع الحياة في الولايات المجاورة لها كالمدية والجلفة حتى لا تتحمل بوغزول عبء التناقضات الموجودة في تلك المناطق، وحتى لا يكون مصيرها مصير “محلات الرئيس”، إذ أن العبرة ليست في إنجاز المحل، بل في خلق الحياة في المحيط الذي يتواجد فيه.

Commentaires